خليل الصفدي
218
أعيان العصر وأعوان النصر
فقيه إذا قلت فقيه ، يبهر علمه وبحثه كل من يلتقف فضله أو يلتقيه ، أصولي مد أطناب الإطناب في شرح المختصر ، وقام بأعباء هذا العلم ، وجالد لما جادل وانتصر ، مفسّر غير مقصّر ، بليغ إذا تفوّه ألهى بعذوبة نطقه عن العذيب ووادي محسّر ، نحوي حل ما في التسهيل من التعقيد ، وأوضح غوامضه فأغمض ناظر الناظر فيه بعد ما كان يعالج التسهيد ، ورياضي أخذ جمل محاسنه بلا حسب ، وقرّب بعيد هذا الفن وسهل الاكتساب ، وناظم أدار قوافيه كئوسا على الألباب ، وأنس المتيمين بأغزاله ذكرى المنازل والأحباب ، نبّه به جماعة من الأعيان ، وتخرّج به طائفة من أولي الفهم والأذهان . ولم يزل يفيد ، ويبدي البدائع في البداءة ويعيد ، إلى أن أتى سيل المنية على ابن شيخ العونية ، واستوفى أجله منه دينه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بالموصل ، وصلّى عليه في ماردين غائبا في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبعمائة . وسألته عن مولده ، فقال : بالموصل في الثاني عشر من شهر رجب الفرد سنة إحدى وثمانين وستمائة . اجتمعت به في دمشق بالمدرسة القليجية جوار دار الذهب في شهر شوال سنة خمسين وسبعمائة ، وقد ورد للحج إلى دمشق صحبة ابنة صاحب ماردين ، فرأيت منه حبرا كامل الفوائد ، وبحرا لا تبخل أمواجه بإلقاء الفرائد ، وكتبت إليه بعد ذلك سؤالا نظمته قديما ، وهو : ( الطويل ) ألا إنّما القرآن أكبر معجز * لأفضل من يهدى به الثّقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاره * بإيجاز ألفاظ ، وبسط معان ولكنّني في الكهف أبصرت آية * بها الفكر في طول الزّمان عناني وما ذاك إلا استطعما أهلها فقد * نرى استطعماهم مثله ببيان فما الحكمة الغرّاء في وضع ظاهر * مكان ضمير إنّ ذاك لشان فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك : ( الطويل ) سألت لماذا استطعما أهلها أتى * عن استطعماهم إنّ ذاك لشان وفيه اختصار ليس ثمّ ولم تقف * على سبب الرّجحان منذ زمان فهاك جوابا رافعا لنقابه * يصير به المعنى كرأي عيان فإن كان في التّصريح إظهار حكمة * لرفعة شان أو حقارة جان كمثل أمير المؤمنين يقول : ذا * وما نحن فيه صرحوا بأمان